سلسلة قيم وأخلاق إسلامية(6)الشيخاني ولد عبد القادر
السبت, 17 أغسطس 2013 18:35

الدعاء

altalt

لغة:

   من فعل دعا يدعو، والمصدر الدّعاء والدّعوى، والدّعاء بمعنى الرّغبة إلى اللّه عزّ وجلّ، وهو واحد الأدعية،  أمّا الدّعوة فهي المرّة الواحدة من الدّعاء، ومنه الحديث الشّريف )فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم أي تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم)، ويستعمل الدّعاء أيضا بمعنى النّداء، ويقال:دعوت اللّه إذا سألته وإذا استغثته.

 

اصطلاحا:

   قال الطّيبيّ: هو إظهار غاية التّذلّل والافتقار إلى اللّه والاستكانة له، وقال المناويّ: هو لسان الافتقار بشرح الاضطرار، وقيل: هو شفيع الحاجة وَنُجْحُهَا بِاللَّجَاجَةِ،وقيل: هو طلب كشف الغمّة بتطلّع موضع القسمة.

 

منزلة وفضل الدعاء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- (الدّعاء هو العبادة ثمّ قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) رواه أبو داود وابن ماجة، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

- (ليس شيء أكرم على اللّه تعالى من الدّعاء) رواه الترمذي وقال: حسن غريب، والبخاري في الأدب المفرد.

- (ادعوا فإنّ الدّعاء يردّ القضاء) (حديث حسن رواه الطبراني وأحمد).

- (إنّ ربّكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه بدعوة أن يردّهما صفرا ليس فيهما شيء) رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني.

- (ما على الأرض مسلم يدعو اللّه بدعوة إلّا آتاه اللّه إيّاها أو صرف عنه من السّوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)، فقال رجل من القوم: إذا نكثر. قال: «اللّه أكثر) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وخرج مثله البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي سعيد الخدري وفيه زيادة: (أو يدخرها له في الآخرة).

- (قال اللّه تعالى: يابن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السّماء، ثمّ استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي وأحمد والطبراني في الدعاء وقال مخرجه: إسناده حسن لغيره.

 

إخفاء الدعاء:

  لقد أمر اللّه سبحانه وتعالى بإخفاء الدّعاء في آية الأعراف: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}، وفي هذا الإخفاء فوائد عديدة منها:-أنّه أعظم إيمانا لعلم صاحبه أنّ اللّه يسمع الدّعاء الخفيّ,أنّه أبلغ في التّضرّع والخشوع والإخلاص,أنّ فيه إخفاء لنعمة الإقبال والتّعبّد لله عن أعين الحاسدين.

 

الاعتداء في الدعاء:

   قال القرطبّي- رحمه اللّه تعالى-: الاعتداء في الدّعاء علي وجوه منها: الجهر الكثير والصّياح، ومنها أن يدعو الإنسان لنفسه (بما لا يستحقّ) بأن تكون له منزلة نبيّ، أو يدعو في محال، أو أن يدعو طالبا معصية، أو أن يدعو بما ليس في الكتاب والسّنّة.

وقال ابن تيميّة- رحمه اللّه تعالى-: الاعتداء في الدّعاء يكون تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرّمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله اللّه كأن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو بأن يرفع عنه منازل البشريّة من الحاجة إلى الطّعام والشّراب ونحو ذلك ممّا فيه اعتداء لا يحبّه اللّه، ولا يحبّ سائله، وأعظم المعتدين عدوانا هم الّذين يدعون معه غيره، إذ إنّ أعظم العدوان الشّرك، ومن العدوان أن يدعوه غير متضرّع، ومن لم يسأل مسألة مسكين متضرّع خائف فهو معتد.

ومن الاعتداء أيضا أن يعبده بما لم يشرع، أو يثني عليه بما لم يثن على نفسه، ولا أذن فيه، فإنّ هذا اعتداء في دعائه الّذي هو ثناء وعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطّلب.

 

من آداب الدعاء:

  قال الإمام الغزاليّ- رحمه اللّه تعالى-: من آداب الدّعاء:

1- أن يترصّد لدعائه الأوقات الشّريفة كيوم عرفة من السّنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السّحر من ساعات اللّيل.

2- أن يغتنم الأحوال الشّريفة كحال الزّحف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصّلاة، وعند إفطار الصّائم، وحالة السّجود، وفي حال السّفر.

3- أن يدعو مستقبل القبلة، مع خفض الصّوت بين المخافتة والجهر، وأن لا يتكلّف السّجع في الدّعاء فإنّ حال الدّاعي ينبغي أن يكون حال متضرّع والتّكلّف لا يناسبه.

4- الإخلاص في الدّعاء والتّضرّع والخشوع والرّغبة والرّهبة، وأن يجزم الدّعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه.

5- أن يلحّ في الدّعاء ويكون ثلاثا، كما ينبغي له أن لا يستبطأ الإجابة.

6-  أن يفتتح الدّعاء ويختتمه بذكر اللّه تعالى والصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ يبدأ بالسّؤال.

7- التّوبة وردّ المظالم والإقبال على اللّه- عزّ وجلّ- بكنه الهمّة، وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة، وتحرّي أكل الحلال. (مستفاد من إحياء علوم الدين:304).

 

أوقات وأحوال يستجاب فيها الدعاء

- (الدّعاء لا يردّ بين الأذان والإقامة) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.

- (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكّل. كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به: آمين ولك بمثل) رواه مسلم.

- (أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدّعاء) رواه مسلم.

- (إنّ في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل اللّه فيها خيرا إلّا أعطاه إيّاه، قال:

وهي ساعة خفيفة) رواه البخاري ومسلم.

- (ثلاث دعوات مستجابات لا شكّ فيهنّ: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) رواه أبو داود، وابن ماجة، والبخاري في الأدب المفرد.

- (ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصّائم حتّى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها اللّه فوق الغمام ويفتح لها أبواب السّماء ويقول الرّبّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين) رواه الترمذي وقال: حسن، وابن ماجة والطبراني  .

- (ثلاثة لا يردّ دعاؤهم: الذّاكر اللّه كثيرا، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط) في شعب الإيمان للبيهقي وذكره الألباني في صحيح الجامع وقال: حسن.

- (سبّحي اللّه عشرا، واحمديه عشرا، وكبّريه عشرا، ثمّ سليه حاجتك يقل: نعم نعم)  رواه النسائي, وقال الألباني: حسن الإسناد.

- (دعوة ذي النّون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين؛ فإنّه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قطّ إلّا استجاب اللّه له) رواه الترمذي، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

- (يتنزّل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له) رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.

 

آيات في الدعاء

1- {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186).

2- {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ, قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} (الأنعام:64).

3- {وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:180).

4- {قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ ...} (الفرقان:77).

5- {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ} (النمل:62).

6- {وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} (غافر:60).

7- {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ, وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:56).

8 ـ {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى} (الإسراء:110).

 

أحاديث في الدعاء

1- (ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه) (رواه الترمذي والحاكم وذكره الألباني في الصحيحة).

2- (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولنّ اللّهمّ إن شئت فأعطني فإنّه لا مستكره له) رواه البخاري.

3- (إنّ أعجز النّاس من عجز عن الدّعاء، وأبخل النّاس من بخل بالسّلام) رواه الطبراني وأبو يعلى موقوفا ورجاله رجال الصحيح.

4- (.. دعا رجل، فقال في دعائه: اللّهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلّا أنت المنّان بديع السّماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيّوم، إنّي أسألك. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {والّذي نفسي بيده لقد دعا اللّه باسمه العظيم الّذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى}) صحيح سنن النسائي، وقال: صحيح. وابن ماجة.

5- (من سرّه أن يستجاب له عند الكرب والشّدائد فليكثر من الدّعاء في الرّخاء) رواه الطبراني في الدعاء والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

6- (لا يردّ القدر إلّا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البرّ، وإنّ الرّجل ليحرم الرّزق بالذّنب يصيبه) رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وابن ماجة وقال في الزوائد: إسناده حسن. وأحمد.

7- (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.

8- (كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السّماء، فقال: «سبحان اللّه العظيم»، وإذا اجتهد في الدّعاء قال: «يا حيّ يا قيّوم») رواهالترمذي وقال: حسن غريب.

 

آثار وأقوال في الدعاء

1- عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قال:(إنّ الدّعاء موقوف بين السّماء والأرض لا يصعد منه شيء حتّى تصلّي على نبيّك صلّى اللّه عليه وسلّم).

2- قال مجاهد رحمه اللّه تعالى:(إنّ الصّلاة جعلت في خير السّاعات فعليكم بالدّعاء خلف الصّلوات).

3- قال أبو سليمان الدّارانيّ رحمه اللّه تعالى: (من أراد أن يسأل اللّه حاجة، فليبدأ بالصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ يسأله حاجته ثمّ يختم بالصّلاة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّ اللّه- عزّ وجلّ- يقبل الصّلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما).

4- قال سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى: (لا يمنعنّ أحدا الدّعاء ما يعلم في نفسه من التّقصير فإنّ اللّه قد أجاب دعاء شرّ خلقه، وهو إبليس حين قال: ربّ فأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قًالَ فإنكَ مِن المُنظرِين).

5- قال بعض أهل العلم: (ادع بلسان الذّلّة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق).

6- قال الدّاوديّ رحمه اللّه تعالى:(على الدّاعي أن يجتهد ويلحّ ولا يقل إن شئت كالمستثني ولكن دعاء البائس الفقير).

7- قال ابن بطّال رحمه اللّه تعالى:(ينبغي للدّاعي أن يجتهد في الدّعاء ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرّحمة، فإنّه يدعو كريما).

8- قال القاضي حسين رحمه اللّه تعالى: (يستحبّ لمن وقع في شدّة أن يدعو بصالح عمله).

 

من فوائد الدعاء

1-سرعة الفرج وتفريج الكرب.

2- إلقاء الهمّ على الرّبّ لحسن الظّنّ بالقرب.

3-سلاح يتّقى به العدوّ وسوء القضاء.

4-يجلب المصالح ويدفع المفاسد.

5-يشغل العبد بذنبه وعيبه عن عيب غيره.

6- مداومة الشّعور بالضّعف والحاجة، فلا يزال يدعو حتّى ينال حاجته.

7-يعدّ من أجلّ أنواع العبادة، فيقصد لذاته.

8- يشعر المسلم بأنّه فى معيّة الحقّ دوما.

 

شعر

أتهزأ بالدّعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدّعاء

سهام اللّيل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء

 

سلسلة قيم وأخلاق إسلامية(6)الشيخاني ولد عبد القادر

السراج TV