| دروس من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم |
| الاثنين, 04 نوفمبر 2013 10:16 |
|
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران : 102]) وقال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء : 1]) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب : 70 ، 71] ). أما بعد: فإن الهجرة هي الحدث الذي غيرّ مجرى التأريخ،الحدث الذي يحمل في طياته معاني الأمل والانتصار على الباطل مهما كانت قوته، كما يحملُ في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء والصبر والنصر والفداء والتوكل والقوة والإخاء والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء،إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقاً للنصر والعزة،ورفع راية الإسلام وتشييد دولته وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي النبي صلى الله عليه وسلم في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه . أيها الأخوة المؤمنون: إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم، وعملت على ضوئه لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها ولعلمت علم اليقين انه لا حل لمشكلاتها و لاِصلاح لأحوالها إلا بتمسكها بإسلامها، والتزامها بعقيدتها، وإيمانها، فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين،ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا بخضوعهم لرب العالمين،وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا بإتباع نهج الأنبياء والمرسلين،صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أيها الإخوة المؤمنون: إننا مُطالبون جميعاً بهجرة ما نهى الله عنه،فالأمة كُلها تستقلُ سفينة واحدة فليس لأحد أن يخرق في نصيبه خرقاً فمتى خُرقت السفينة عاد الضرر على الأمة بكاملها قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 25] ) وقال علية الصلاة والسلام: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ) رواه البخاري. أيها الإخوة المسلمون: إن الهجرة في حقيقتها معرفة الحق والانتقال إليه، والاستمساك به، والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه،تلك هي طريقة رُسل الله صلوات الله عليهم والسائرين على دروبهم وفي القرآن الكريم حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت : 26] )إن في الهجرة دروساً عظيمةً ومن أهمها :... أولاً: درس التوكل على الله وتفويض الأمر له وصدق اللجوء إليه فلا كافي إلا الله وحده، قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر : 36] وقال تعالى:(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر : 45] ، وهو درس عظيم للدعاة والمجاهدين والعلماء العاملين والمؤمنين المستضعفين ولايتحقق ذلك إلا بالأخذ بالأسباب، والعمل الدءوب وهو ماكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته قبل الهجرة وبعدها ومعه أصحابه رضي الله عنهم أجمعين ثانياً:إن الله يحفظ أولياءه فهم يؤذون ويضطهدون ويحبسون ويقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل لله وفي النهايه ينتصرون، والعاقبة للمتقين ، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر : 51 ، 52]، وقال تعالى، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات : 171 - 173] ثالثاً:التضحية بالأهل والمال والنفس صيانةً للمبادئ السامية ونصرة للفضيلة لإزهاق الظلم والظلمات، والبذل في سبيل الله تمثله عليه الصلاة والسلام بقوله: (... ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) رواه البخاري . رابعاً:ترسيخ مبدأ الأخوة الإسلامية والوحدة الإيمانية، تجلى ذلك في موقف الأنصار واستقبالهم لإخوانهم المهاجرين بروح الإيثار، والقناعة التي وصلت إلى حد القدوة والأسوة، قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر : 8 ، 9] ، وهذا يتطلب النصرة والتكافل والتراحم بين أفراد المجتمع الواحد . خامساً:الشباب والمرأة وميدان البيت والأسرة هذا الأثر العظيم ظهر جلياً في أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في خدمة ونصرة الدعوة، فكل أسرة أبي بكر نموذجاً للأسرة المسلمة اليوم في نصرة الدعوة إلى الله تعالى. سادساً:الصراع بين الحق والباطل صراعً قديم وممتد، وهو سنة إلهيه نافذة، قال الله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) )[الحج : 40] ، ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة، قال تعالى:(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة : 21] )، وقال تعالى: (ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا) [فاطر : 43] . أيها الإخوة المؤمنون: إن ما يجري اليوم في فلسطين الجريحة من تكالبٍ على تهويد المسجد الأقصى وتدنيسه من قبل الصهاينة المعتدين إنما هو جريمة كبرى،فقد دنسوه أكثر من مرة بالدخول إلى داخله،والحفريات تهدده من الأسفل،وإخواننا في غزة يحاصرون من قبل اليهود ومن عملائهم بهدم الأنفاق وتضييق الخناق لعلهم يوماً من الأيام يركعون للظلم والظالمين وهيهات ! كما نشاهد اليوم تآمراً صليبياً أمريكياً سلالياً باطنياً على الإسلام والمسلمين، وما يجري في سوريا من إبادة وقتل جماعي أمام مرأى ومسمع العالم،فقد استخدمت كل أنواع الأسلحة المحرمة شرعياً ودولياً، واليوم تمتد المؤامرة إلى داخل اليمن،وانظروا إلى ما يجري لإخواننا المستضعفين وطلاب العلم في منطقة دماج (محافظة صعدة) من قتل وحصار وتضييق،وكل العقلاء والمثقفين يدركون الأسباب ويدركون البعد السلالي الفارسي الذي يحاولُ أن يكون له موضع قدم في الجزيرة العربية، وبالذات في أرض اليمن وفي أرض الحرمين الشريفين ، قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف : 8] )، وقال تعالى:(وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة : 217] ، والحل لذلك هو الحوار ومخرجاته وتغليب المصلحة العليا للبلاد عن المصالح الأنانية والمشاريع الضيقة والصغيرة ففي ذلك نجاة لليمنيين من القتال والاقتتال، والتوجه نحو البناء والتنمية وتثبيت الأمن والاستقرار والسكينة العامة على ربوع وطننا اليمني الحبيب . الخطبة الثانية: بعد المقدمة : ومن الدروس والعظات والعبر: دقة التخطيط والأخذ بالأسباب، فقد أعد صلى الله عليه وسلم الزاد والراحلة والدليل، وأهم من ذلك الترتيب المسبق لإقامة الدولة في المدينة المنورة تمثل ذلك ببيعة العقبة الأولى والثانية، وكسب الأنصار لدين الله عزوجل . ومن الدروس فن قيادة الأرواح والتعامل مع النفوس ظهر ذلك في الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم وبقية الصحابة في الهجرة وفي غيرها، وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، فلم يكن هذا الحب نابعاً من أجل مصلحة دنيوية أو رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع،لأن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة لدى المسلم،ومن أسباب هذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفاته القيادية الرشيدة فهو يسهر ليناموا ويتعب ليستريحوا ويجوع ليشبعوا،كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. . ومن الدروس العظيمة التضحية في سبيل الله و حب الأوطان، فقد كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة البلد الأمين إلى المدينة المنورة تضحية عظيمة عبر عنها بقوله: (والله إنكِ لخير أرض الله ، و أحب أرض الله إلى الله ، و لولا قومي أخرجوني منك لما خرجت ) السلسلة الصحيحة . فنحنُ نرى اليوم بأم أعيننا تضحيات عظيمة من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال في كثير من بلدان المسلمين في فلسطين وفي سوريا ومصر والعراق وبورما وغير ذلك . ومن خلال هذه الدروس النموذجية الرائعة نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة ، فالأمة اليوم بحاجه ماسة إلى استلهام هذه الدروس العطرة حكاماً ومحكومين، قادة ورعايا، الأمة اليوم بحاجة إلى هجر الظلم والفساد والطغيان والاستكبار والاستبداد لغرس معاني العزة والحرية والكرمة، واحترام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم وتوفير السكينة العامة والأمن والأمان، وعدم ترويع الآمنين وإنهاء المظاهر المسلحة والقضاء على الانفلات الأمني ليعيش هذا المجتمع اليمني المسلم سالماً آمناً مطمئناً على نفسه وأهله وماله وولده وختاماً نُريدُ أن تتحول سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى دروس عملية ومواقف إيجابية وحياة إيمانية ربانية طيبة قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل : 97] ) .
نقلا عن"ينابيع تربوية" |
