| الميزان/جمال شطيبة |
| الثلاثاء, 07 يناير 2014 02:50 |
|
ففي الوقت الذي كان فيه اليهود يكيدون في المدينة، و يطلقون سهامهم المسمومة، فينشرون الأكاذيب، ويؤلبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويطلقون الإشاعات؛ ويضللون العقول؛ ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة؛ ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، ويؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج.. في هذا الوقت الحرج العصيب، وفي غزوة من الغزوات سُرقت درع لأحد المسلمين، فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار، فلما خاف أن يُكشف أمره، وضعه في بيت أحد اليهود، وتمالأ مع أهله وعشيرته على اليهودي مُدّعين أنه هو السارق، وحيث إن الدرع وجدت في بيت اليهودي، حكم الرسول الأكرم بإدانته.. فنزلت إحدى عشرة آية تبرئ اليهودي مما نُسب إليه، وتدين المسلمين الذين تمالؤوا عليه:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما.." إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام، إنما كانت أكبر من ذلك؛ إنها إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أياً كانت الملابسات والأحوال"والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان". وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات.. لقد كان الخطاب الإلهي واضحا كل الوضوح، موجها اللوم إلى الفئة المؤمنة التي وقعت في الخطأ، بدون مجاملات، أو محاباة"يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاًهَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً". ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الناس، بل وفضحه بين الناس على هذا النحو العنيف المكشوف.. كان هناك أكثر من سبب، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم، ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج! فالمتهم من قوم خصوم وأعداء، قوم يكيدون للإسلام ليلا ونهارا، ويحاربون المسلمين سرا وجهارا، يهود التي لا تعرف حقاً ولا عدلاً ولا نصفة، ولا تقيم اعتباراً لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق. والفاعل الحقيقي هم رجال من الأنصار؛ الأنصار الذين آووا ونصروا، وجاهدوا وبذلوا، فهل يُعطى لليهود سهم جديد يوجهونه إلى الأنصار، بأن بعضهم يسرق بعضاً، ويتهمون الأبرياء!! ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله، كان أكبر من كل هذه الاعتبارات.. كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية، وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض، ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية؛ وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتى يمحص كيانها تمحيصاً شديداً؛ وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية، وحتى يقام فيها ميزان العدل - لتحكم به بين الناس - مجرداً من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئاً كبيراً لا يقدرون على تجاهله!
التوحيد والإصلاح |
