الدقائق الغالية/محمد أحمد الراشد
الثلاثاء, 23 سبتمبر 2014 13:37

الشيخ محمد أحمد الراشدالشيخ محمد أحمد الراشدسجود المحراب،واستغفار الأسحار،و دموع المناجاة : سيماء يحتـكرها المؤمنون.

ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار، والنساء ، والقصر المنيف، فإن :

                 جنة المؤمن في محرابه

ولقـد منَّ االله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية ، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه بصفاء روح ، تتضاءل بجانبها لذة المباح ، فيهجر الكثير منه حذراً من أن يعكر الصفاء الذي هو فيه.

جرب ذلك المؤمنون قديماً ، زمن العيش البسيط ، وجربه المؤمنون اليوم ، زمن المدنية المعقدة.

بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور ، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة ، فيسأم ، ويمل ، ويضجر ، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب ، فيعيش في اطمئنان ، وراحة بال ، ولئن كان لنظرية آينشتاين في نسبية الوقت نصيب من الصحة ، فإن في الصلاة هذا النصيب ، كما يشرحه مصطفى صادق الرافعي فيقول:

" يا لها حكمة أن فرض االله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات ، لتبقى الروح أبداً إما متصلة أو مهيأة لتتصل ، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه ، فخاف أن يقـف بين يديه مخطئاً أو آثماً ، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة تذكر أن بعدها الفريضة الأخرى ، وأنها بضع ساعات كذلك فلا يزال من عزيمة النفس و طهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير ، كأنه بجملته – مهما طال – عمل بضع ساعات"

فطول الحياة نسبي .. هو طويل جداّ ، مخيف مظلم للجاهلي .. وهو قصير ، هين منير للمصلي.

وحياة الجاهلي ركود مستمر . و حياة المصلي حكة ، تـزيد صواباً ، أو تستدرك اعوجاجاً.

و إنها ( الله أكبر ) تـنهي هذا الركود ، و تؤسس الحركة ( الله أكبر) .

بين ساعات و ساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف : " أيها المؤمن إن كنت أصبت في الساعات التي مضت ،فاجتهد للساعات التي تتلو . و إن كنت أخطأت فكـفّـر ، وامح ساعة بساعة"

وأظهر حركة يولدها التكبير : حركة التمييز و الفرقان ، بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان.

فـإنك إن قـلت : ( اهـدنا الصراط المستـقيم * صراط الذين أنعمت عليهـم غير المغـضوب عليهم ولا الـضالين)

استشعرت في كل ركعة طائفة من هذه الأصناف الثلاثة ، و تخصص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد ، أو بلد واحد ، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع ، وتستعـرض تاريخ الإسلام أجمع.

ففي ركعة تذكـر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلاً لمن أنعم الله عليهم ، و تذكر أبا جهل ومسيلمة مثلاً للمغضوب عليهم والضالين.

وفي ركعة أخرى تذكر هوداً وصالحاً - عليهم السلام - مثلاً ممن أنعم الله عليهم ، وعاداً وثمود من الهالكين. وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين و ابن المسيب ممن أنعم الله عليهم ، و أهل الردة ، و الجهم بن صفوان ، والجعد بن درهم من المتخبطين.

وفي أخرى تذكر الإمام أحمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين، وبشراً المريسي وابن دؤاد من الظالمين.

وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين ، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم و الشطح والابتداع من المدلسين.

وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد  وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين.

وبذلك تعـقـل صلاتك ، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عـقـل منها ، و تجدد عهدك مع أجيال المؤمنين ، وتـنبذ المفسدين ، وتـلك هي حركة الإيمان ، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء ، وتركك على المفاصلة.

رجال مدرسة الليل

ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون.

فمن ثم كانت مدرسة الليل.

وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} وإذا انتصف الليل ، في القرون الأولى ، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تـنادي:

يا رجال الليل جدوا **** رب صوت لا يرد

مـا يـقـوم الـلـيل إلا **** مـن لـه عـزم وجِـدُّ

و إنها حقاً لمدرسة ، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يذكوا شعلة حماستهم ، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية.

و إنها تجربة إقبال يوجزها فيقول:

نـائح والـلـيـل سـاج سادل **** يـهجـع الناس و دمـعي هـاطل

تصطلي روحي بحزن وألم **** ورد ( يا قيوم ) أنسي في الظلم

أنـا كالـشـمع دمـوعي غـسـلي **** في ظلام الـليـل أذكي شعـلي

 

  مـحفـل الناس بـنوري يشـرق **** أنـشر النور و نـفسي أحرق

 

و إن دعوة الإسلام اليوم لا تعتـلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل ، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين مالم تلهج بـ ( يا قيوم ).

ما نقول هذا أول مرة ، وإنما هي وصية الإمام البنا حين خاطب الدعاة فقال:

  " دقائق الليل غالية ، فلا ترخصوها بالغفلة"

أفعيينا أن نعيد السمت الأول ، أم غرنا اجتهاد في التساهل و التسيب و الكسل جديد ؟

إن القول لدى الله لا يبدل ، ولكنا أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة ، فثقـل المغرم ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسراً.

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور ، بل برجعة نصوح إلى العرف الأول ، ومتى ما صفت القلوب بتوبة ، و وعت هذا الكلام أذن واعية كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة

                                                        من كتاب الرقائق للشيخ محمد أحمد الراشد

الدقائق الغالية/محمد أحمد الراشد

السراج TV