غِراسُ الكلمات

ثلاثاء, 02/23/2016 - 10:38
سيدي محمود ولد الصغير

لم يجعل تعالى الكلمة الطيبة صدقة (وقد صح بذالك الحديث) إلا لأنها توصل نفعا للمخاطب، وأعظمْ به من نفع!.
إن شأن الكلمة في الإسلام شأن عظيم فهو دين الكلمة بامتياز، فمعجزته كلمة، وبابه كلمة، وإن كلمة يقولها الإنسان مما يرضي الله ترفعه في أعلى المنازل كما جاء به الحديث المشهور..
ولو أن باحثا عاد إلى ما دونته كتب التاريخ من كلمات قلَبَتْ مسارات أقوام، وغيرت أحوال أمم لعرف ما هي قيمة الكلمة. ولأمر ما تمدَّح الله بتعليمه الإنسان البيان، وقرن مِنَّته عليه به بمنته عليه بإخراجه من حيز العدم فقال تعالى(الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان)، بل هاهي الآية تفرض نفسها وتذكرنا بأن منة القرآن قبل منة الخلق، التي تعقبها منة تعليم البيان، فلْتحُزِ الكلمة ما شاءت من شرف، فإن القرآن كلمة
وإن كان بيانا مفارقا للبيان الإنساني مُجاوزا ملكاتِ البشر مرتقيا في معارج الإعجاز، ولذا كان منَّةً مستقلة عن المِنَّة بالبيان الإنساني الذي هو هذه القدرة العجيبة التي أوتيها الإنسان وامتاز بها عن سائر جنسه من الأحياء فهو صاحب الملكة المُفكرة التي تتعقَّل المعاني وتركِّبُها وتجردها، وتفصح عنها بالقول المُبين..
وقد كنت من قديم أعجب من ثناء بعض الناس على السُّكوت فيما يشبه الإزراء بالكلام وأعيد التفكير في ذالك فلا أجد للصامتين في المجالس مزية مقنعة، وأنظر في حال المتحدثين فأجدهم الأجدر بالتقدير، فأخلص إلى أن مجرد السكوت ليس أدبا يستحق أن يمدح، وما زلت كذاك حتى اطلعت على رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في تفضيل النطق على الصمت ورأيت ما ساق فيها
من الحجج القاطعة فكأن الرجل تحدث عني وأفصح بما أُجِنُّ من خواطر في الموضوع..
وخلاصة الأمر أن الكلام "إيجاب" وأن الصمت "سلب" وأن فضل الكلام على الصمت كفضل الوجود على العدم، فالكلام مفتاح الفضائل ودليلها، ووسيلة العلوم وسبيلها، وغاية ما في الصمت السلامة، وبين السلامة والغنيمة بوْن واسع، وأما ما يعرض للكلام مما يُعاب فأمر خارج عن حقيقته فينبغي التنزه عنه..
ثم سرِّح نظرك في تأمل المثل القرآني المضروب للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة: 
(ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة
طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذنها...)-الآية-تجدْ مصداق ما وصفتُ لك؛ فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِزْ، وضعْ لبنة في صرح الخير ولو برأي أو كلمة. والله الهادي إلى الصواب.

سيدي محمود ولد الصغير