
الدكتور: فؤاد البنا
جمال الشمس:
صحيح أن حرارة الشمس مؤلمة، ولكن لوﻻها ما بسَقَتْ الأشجار، ولا تفتّحت الأزهار، ولا أيْنَعتْ الثمار. ولولاها لعَرْبَدَ الزّمهرير في اﻷرض وأحالها إلى ثﻻجة، ولأصبحت السَّنَة كلها شتاء، ولما ذابت الثلوج التي تستحيل إلى مياه عذبة، تبعث الحياة في الأرض وتُتْرعها بالجمال.
ولولا وهْج الشمس ما توَهّج الناس فرحاً ولا ابْتَهجوا سروراً.
ولولا أشعتها اللاهبة ما التهبت مشاعر الأحياء ولا أشعت أحاسيس الكائنات، ولما تمتَّعْنا بحرارة القلوب ودفْئ المشاعر.
بَريقُ النار:
لولا النار ما تحَوَّل التراب إلى تبر، ولما تخلّص التبر من شوائبه، حتى يصير ذهباً خالصا، يلْمعُ في أعلى درجات النقاء ويتوهّج في أبهى حُلَل الجمال.
ولوﻻ النار ما انْصَهرتْ المعادن، وما تبوْتَقَ الحديد وتخلص من شوائبه، ولما تقاربت ذَرّاتُه حتى يصير بتلك القوة الفولاذية.
وبدورها فإن الفتن تزيل شوائب النفوس وأَوْشابَ التراب، وتُظهر مفاتن الإنسان، حتى تضيئ خصائص فطرته الأصيلة وتتألّق خصال أخلاقه الجميلة.
جَمالُ القُبْح:
قد يغطي التراب معدنَك الذّهبي حتى يظن العدو أنك امرؤ تُرابيٌّ ضعيف، فيُسلِّط محنتَه عليك، وهو في الحقيقة امتحان من الله لك وهديته إليك.
فإنك إن صبرْتَ سيتفاجأ عدوُّك ببريقك الذهبي الذي يُبْرق فيخطف بصرَه، ويَشدّ إليه أنظار الناس الذين كانوا قد انصرفوا عنك.
ويستوي في ذلك الأَتْربةُ التي اعْتَلتْكَ نتيجة غفلتك، أو أَلْقَتها عليك الزّوابع الإعلامية المعادية وألْصقتْها بك حملاتُ التشويه والشّيْطنة!
مرارة الشِّفاء:
المحن والابتلاءات تُجرِّع المؤمنين طعْم المرارة، لكنها مرارة العلاج الناجع من السم الناقع الذي ربما كان بطعم السُّكّر ونكْهة الفاكهة!
إنها المرارة التي تسْتأصل شأْفةَ المرض، وتُطرِّز وجْهَ الإنسان بالنضارة، وتعيد الحياة والحيوية إلى مفاصله ووظائف أعضائه.
يقول شاعر عربي:
لعل عتبك محمود عواقبُهُ
وربما صحّتْ الأجسامُ بالعِللِ.
صواعق التشريف:
في العالم المادي يدرك الناس بوضوح الفروق بين المرتفعات والمنخفضات، بين الشواهق والقيعان.
غير أن هذا الأمر غير مُدرَك في العالم المعنوي، ولذلك كانت إحدى وظائف المحن تمييز قِمم القيَم من حُفَرها وعَوَالي الإنسانية من سفوحها.
ولقد ثبت أن الصواعق لا تضرب إلا قمم الجبال الشاهقة، وأن المياه لا تتجمع وتركُد إلا في المستنقعات والأخاديد والمنخفضات.
ومثل ذلك قول أحد الشعراء:
إن الرياح إذا اشتدّتْ عواصفُها فليس ترمي سوى العالي من الشجر!
تجديد مفاتيح التفكير:
في الظروف الطبيعية يغفل الإنسان عن نفسه فتَرْكُد، وينغمس في حياة رتيبة وسط قوالب جامدة من التقاليد، فتصْدأَ مفاتيحُ عقله، وتتْلَفَ ملكاتُه العقلية أو تنضب.
لكن المحن تضطره لسَنّ هذه المفاتيح واستخدامها.
و"المفتاح المستعمل لا يصدأ"، كما ينطق المثل الإنجليزي.
الشمس لا تنطفئ:
اطمئنوا أيها الأحرار، فمهما أشعل الطغاة من حرائق المحن وأسْحَبُوا من أدْخِنة الفتن، ومهما ذرُّوا في العيون من رماد المكر والخداع، فإن ذلك لن يحجب الشمس المشرقة في سماء هذا الكون، ولن يُطفئ ضياء الحقيقة الساطع، وإنما قد يُغيّبُه عن الناس برهة من الزمن، حتى يعرفوا قيمته ويشتدّ الشوقُ إليه.
فَنَن:
للفتن مفاتن باذخة تخلب الأفئدة وتسحر الألباب، ولابد أن يستفيد منها أولو الأيدي والأبصار!